Site icon جريدة الدولة الآن

مزاد الأرواح … عندما يصبح الإنسان سلعة والضمير صَفقة

 

بقلم عماد ابراهيم

​في عتمة المسار التي تسلكها الروح البشرية، يبرز سؤالٌ وجوديٌّ قديمٌ متجدد: هل الإنسان قيمةٌ في ذاته، أم هو مجرد سلعَةٍ مؤجلة بانتظار المشتري المناسب؟ إن ما نشهده اليوم من “بيعٍ للمبادئ” و”شراءٍ للضمائر” ليس مجرد خللٍ اجتماعي عابر، بل هو زلزالٌ كينوني يضرب عمق الهوية، حيث يتنازل الكائن عن حريته ليتحول إلى “شيء” يُعرض في بورصة المصالح.

​ لا يمثل المبدأ قميصاً نرتديه لنتجمّل به في الرخاء ونخلعه في الشدة، بل هو “الهيكل العظمي” الذي يحمل كيان الإنسان الأخلاقي. عندما يقرر المرء بيع مبدأ ما مقابل عرضٍ مادي أو معنوي، فإنه لا يتخلص من فكرة فحسب، بل يبتر جزءاً من وجوده الأصيل.
إن المبدأ الذي يُباع يفقد قدسيته فور عرضه للمساومة؛ فالحق لا يكون نصف حق، والصدق لا يكون مجزأً. الإنسان الذي يبيع مبدأه يختار “الاغتراب عن الذات”، ليصبح ظلاً لمشتريه، فاقداً للقدرة على التحديق في مرآة نفسه دون أن يرى انكساراً لا يُجبر.

​إذا كان المبدأ هو القانون، فالضمير هو “القاضي الداخلي”. وفي مسرح الحياة، يُعتبر الضمير أحياناً عبئاً ثقيلاً يعيق الصعود السريع على أكتاف الآخرين. وشراء الضمائر هنا لا يعني دائماً دفع الذهب، بل قد يكون بالوعود الكاذبة أو بالترهيب الذي يكسر الإرادة.
لكن المعضلة الفلسفية تكمن في أن الضمير لا يموت بالشراء، بل يُسجن. المشتري لا يمتلك ولاء البائع، بل يمتلك صمته فقط. وبينما يستمتع البائع بالثمن، يبقى الضمير السجين يجلد صاحبه في خلواته، مذكراً إياه بأن الثمن الذي قبضه لم يكن ثمن “خدمة”، بل كان ثمن “كرامة” لن تُسترد.

​لماذا يميل الإنسان لمقايضة الجوهري بالعرضي؟ إنها خدعة “المنفعة العاجلة” في مواجهة “القيمة الآجلة”. نحن نعيش في عصر “السيولة الأخلاقية”، حيث يتم إغراء الفرد بأن المرونة والانتهازية هما سبيلا النجاة. لكن الحقيقة الفلسفية الصارمة تؤكد أن المادة لا تملأ فراغ المعنى. إن أفقر الناس ليس من خلت يداه من المال، بل هو ذاك الذي لم يجد في أعماقه شيئاً يرفض بيعه مهما كان الإغراء عظيماً.

​إن المبادئ التي تُباع قد تمنح صاحبها حياةً رغيدة، لكنها أبداً لن تمنحَه حياةً ذات معنى. والضمير الذي يُشترى قد يؤمن لصاحبه وسائد من حرير، لكنه لن يمنحه النوم الهادئ الذي ينعم به أصحاب المبادئ الراسخة.
​يبقى الإنسان إنساناً بمقدار ما يرفض أن يوضع له “بطاقة سعر”. ففي اللحظة التي تقبل فيها ثمناً لموقفك، فأنت تعلن للعالم أنك لم تعد تملك نفسك، بل تملكك الجهة التي دفعت الثمن. إن أسمى درجات الحرية هي أن تظل “غير قابل للبيع” في عالمٍ يظن أن كل شيء فيه يُشترى

Exit mobile version